فصل: تفسير الآيات رقم (1- 21)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


سورة الشمس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏(‏1‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ‏(‏2‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ‏(‏4‏)‏ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ‏(‏5‏)‏ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ‏(‏6‏)‏ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‏(‏7‏)‏ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ‏(‏8‏)‏ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ‏(‏9‏)‏ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ‏(‏10‏)‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ‏(‏11‏)‏ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏(‏12‏)‏ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ‏(‏13‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ‏(‏14‏)‏ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ‏(‏15‏)‏‏}‏

أقسم سبحانه بهذه الأمور، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته‏.‏ وقال قوم‏:‏ إن القسم بهذه الأمور، ونحوها مما تقدّم، ومما سيأتي هو على حذف مضاف أي‏:‏ الشمس وربّ القمر، وهكذا سائرها، ولا ملجئ إلى هذا، ولا موجب له‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وضحاها‏}‏ هو‏:‏ قسم ثان قال مجاهد‏:‏ وضحاها، أي‏:‏ ضوئها وإشراقها‏.‏ وأضاف الضحى إلى الشمس؛ لأنه إنما يكون عند ارتفاعها، وكذا قال الكلبي‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏ضحاها‏}‏ نهارها كله‏.‏ قال الفراء‏:‏ الضحى هو النهار‏.‏ وقال المبرد‏:‏ أصل الضحى الصبح، وهو نور الشمس‏.‏ قال أبو الهيثم‏:‏ الضحى نقيض الظلّ، وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحى، فاستثقلوا الياء، فقلبوها ألفاً‏.‏ قيل‏:‏ والمعروف عند العرب أن الضحى إذا طلعت الشمس وبعيد ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضحاء بالمدّ‏.‏ قال المبرد‏:‏ الضحى، والضحوة مشتقان من الضحّ، وهو النور، فأبدلت الألف، والواو من الحاء‏.‏

واختلف في جواب القسم ماذا هو‏؟‏ فقيل‏:‏ هو قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏‏.‏ قاله الزجاج وغيره‏.‏ قال الزجاج وحذفت اللام؛ لأن الكلام قد طال، فصار طوله عوضاً منها‏.‏ وقيل‏:‏ الجواب محذوف، أي‏:‏ والشمس، وكذا لتبعثنّ‏.‏ وقيل تقديره‏:‏ ليدمدمنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحاً، وأما‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ فكلام تابع لقوله‏:‏ ‏{‏فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء‏.‏ وقيل‏:‏ هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى‏:‏ قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها‏.‏ والأوّل أولى‏.‏

‏{‏والقمر إِذَا تلاها‏}‏ أي‏:‏ تبعها، وذلك بأن طلع بعد غروبها، يقال تلا يتلو تلواً‏:‏ إذا تبع‏.‏ قال المفسرون‏:‏ وذلك في النصف الأوّل من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور‏.‏ قال الزجاج‏:‏ تلاها حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور، يعني‏:‏ إذا كمل ضوءه، فصار تابعاً للشمس في الإنارة، يعني‏:‏ كان مثلها في الإضاءة، وذلك في الليالي البيض‏.‏ وقيل‏:‏ إذا تلا طلوعه طلوعها‏.‏ قال قتادة‏:‏ إن ذلك ليلة الهلال إذا سقطت رؤي الهلال‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ إذا غربت الشمس في النصف الأوّل من الشهر تلاها القمر بالطلوع، وفي آخرها يتلوها بالغروب، وقال الفراء تلاها أخذ منها يعني‏:‏ أن القمر يأخذ من ضوء الشمس‏.‏ ‏{‏والنهار إِذَا جلاها‏}‏ أي‏:‏ جلى الشمس، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء، فكأنه جلاها مع أنها الذي تبسطه‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير عائد إلى الظلمة، أي‏:‏ جلى الظلمة، وإن لم يجر للظلمة ذكر؛ لأن المعنى معروف‏.‏ قال الفراء‏:‏ كما تقول أصبحت باردة أي‏:‏ أصبحت غداتنا باردة، والأوّل أولى‏.‏

ومنه قول قيس بن الحطيم‏:‏

تجلت لنا كالشمس تحت غمامة *** بدا حاجب منها وضنت بحاجب

وقيل المعنى‏:‏ جلى ما في الأرض من الحيوانات، وغيرها بعد أن كانت مستترة في الليل‏.‏ وقيل‏:‏ جلى الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ جلى الأرض‏.‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشاها‏}‏ أي‏:‏ يغشي الشمس، فيذهب بضوئها، فتغيب، وتظلم الآفاق، وقيل‏:‏ يغشى الآفاق‏.‏ وقيل‏:‏ الأرض، وإن لم يجر لهما ذكر؛ لأن ذلك معروف‏.‏ والأوّل أولى‏.‏ ‏{‏والسماء وَمَا بناها‏}‏ يجوز أن تكون ما مصدرية، أي‏:‏ والسماء وبنيانها، ويجوز أن تكون موصولة، أي‏:‏ والذي بناها، وإيثار «ما» على من لإرادة الوصفية لقصد التفخيم كأنه قال‏:‏ والقادر العظيم الشأن الذي بناها‏.‏ ورجح الأوّل الفراء، والزجاج، ولا وجه لقول من قال‏:‏ إن جعلها مصدرية مخلّ بالنظم‏.‏ ورجح الثاني ابن جرير‏.‏ ‏{‏والأرض وَمَا طحاها‏}‏ الكلام في «ما» هذه كالكلام في التي قبلها، ومعنى طحاها بسطها‏.‏ كذا قال عامة المفسرين، كما في قوله‏:‏ ‏{‏دحاها‏}‏ قالوا‏:‏ طحاها ودحاها واحد، أي‏:‏ بسطها من كل جانب، والطحو‏:‏ البسط‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏طحاها‏}‏ قسمها‏.‏ وقيل‏:‏ خلقها، ومنه قول الشاعر‏:‏

وما يدري جذيمة من طحاها *** ولا من ساكن العرش الرفيع

والأوّل أولى‏.‏ والطحو أيضاً‏:‏ الذهاب‏.‏ قال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ طحا الرجل‏:‏ إذا ذهب في الأرض‏.‏ يقال‏:‏ ما أدري أين طحا‏؟‏ ويقال‏:‏ طحا به قلبه‏:‏ إذا ذهب به، ومنه قول الشاعر‏:‏

طحا بك قلب في الحسان طروب *** بعيد الشباب عصر حان مشيب

‏{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا‏}‏ الكلام في «ما» هذه، كما تقدّم، ومعنى ‏{‏سوّاها‏}‏ خلقها وأنشأها، وسوّى أعضاءها‏.‏ قال عطاء‏:‏ يريد جميع ما خلق من الجنّ والإنس، والتنكير للتفخيم‏.‏ وقيل‏:‏ المراد نفس آدم‏.‏ ‏{‏فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ أي‏:‏ عرّفها وأفهمها حالهما، وما فيهما من الحسن والقبح‏.‏ قال مجاهد‏:‏ عرّفها طريق الفجور، والتقوى، والطاعة، والمعصية‏.‏ قال الفراء‏:‏ فألهمها عرّفها طريق الخير، وطريق الشرّ، كما قال‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 10‏]‏‏.‏ قال محمد بن كعب‏:‏ إذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشرّ ألهمه الشرّ فعمل به‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور، واختار هذا الزجاج، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان‏.‏ قال الواحدي‏:‏ وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، فإن التبيين والتعليم، والتعريف دون الإلهام، والإلهام أن يوقع في قلبه، ويجعل فيه، وإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا ألزمه ذلك الشيء‏.‏ قال‏:‏ وهذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره‏.‏

‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ أي‏:‏ قد فاز من زكى نفسه وأنماها، وأعلاها بالتقوى بكلّ مطلوب، وظفر بكلّ محبوب، وقد قدّمنا أن هذا جواب القسم على الراجح، وأصل الزكاة‏:‏ النموّ والزيادة، ومنه زكا الزرع‏:‏ إذا كثر‏.‏

‏{‏وَقَدْ خَابَ مَن دساها‏}‏ أي‏:‏ خسر من أضلها وأغواها‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ دساها أصله دسسها، من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء، فمعنى دساها في الآية‏:‏ أخفاها وأخملها، ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح، وكانت أجواد العرب تنزل الأمكنة المرتفعة ليشتهر مكانها، فيقصدها الضيوف، وكانت لئام العرب تنزل الهضاب، والأمكنة المنخفضة؛ ليخفى مكانها عن الوافدين‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏دساها‏}‏ أغواها، ومنه قول الشاعر‏:‏

وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت *** حلائله منه أرامل ضيعا

وقال ابن الأعرابي‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَابَ مَن دساها‏}‏ أي‏:‏ دسّ نفسه في جملة الصالحين، وليس منهم‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا‏}‏ الطغوى‏:‏ اسم من الطغيان كالدعوى من الدعاء‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ كذبت ثمود بطغيانها، أي‏:‏ الطغيان حملتهم على التكذيب، والطغيان مجاوزة الحدّ في المعاصي، والباء للسببية‏.‏ وقيل‏:‏ كذبت ثمود بطغواها، أي‏:‏ بعذابها الذي وعدت به، وسمي العذاب طغوى لأنه طغى عليهم، فتكون الباء على هذا للتعدية‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ بطغواها، أي‏:‏ بأجمعها‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏بطغواها‏}‏ بفتح الطاء‏.‏ وقرأ الحسن، والجحدري، ومحمد بن كعب، وحماد بن سلمة بضم الطاء؛ فعلى القراءة الأولى هو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء والواو للفرق بين الاسم والصفة؛ لأنهم يقلبون الياء في الأسماء كثيراً نحو تقوى، وسروى، وعلى القراءة الثانية هو مصدر كالرجعى والحسنى، ونحوهما، وقيل‏:‏ هما لغتان‏.‏ ‏{‏إِذِ انبعث أشقاها‏}‏ العامل في الظرف ‏{‏كذبت‏}‏، أو ‏{‏بطغواها‏}‏، أي‏:‏ حين قام أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف، فعقر الناقة، ومعنى انبعث‏:‏ انتدب لذلك وقام به، يقال بعثته على الأمر، فانبعث له، وقد تقدّم بيان هذا في الأعراف‏.‏

‏{‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله‏}‏ يعني‏:‏ صالحاً ‏{‏نَاقَةُ الله‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ‏{‏ناقة الله‏}‏ منصوبة على معنى‏:‏ ذروا ناقة الله‏.‏ قال الفراء‏:‏ حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب ‏{‏وسقياها‏}‏ معطوف على ناقة، وهو شربها من الماء‏.‏ قال الكلبي، ومقاتل‏:‏ قال لهم صالح‏:‏ ذروا ناقة الله، فلا تعقروها، وذروا سقياها، وهو شربها من النهر، فلا تعرّضوا له يوم شربها، فكذبوا بتحذيره إياهم‏.‏ ‏{‏فَعَقَرُوهَا‏}‏ أي‏:‏ عقرها الأشقى، وإنما أسند العقر إلى الجميع؛ لأنهم رضوا بما فعله‏.‏ قال قتادة‏:‏ إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم‏.‏ قال الفراء‏:‏ عقرها اثنان، والعرب تقول‏:‏ هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، فلهذا لم يقل أشقياها‏.‏

‏{‏فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا‏}‏ أي‏:‏ أهلكهم، وأطبق عليهم العذاب، وحقيقة الدمدمة‏:‏ تضعيف العذاب، وترديده، يقال دمدمت على الشيء، أي‏:‏ أطبقت عليه، ودمدم عليه القبر، أي‏:‏ أطبقه، وناقة مدمومة‏:‏ إذا لبسها الشحم، والدمدمة‏:‏ إهلاك باستئصال، كذا قال المؤرج‏.‏ قال في الصحاح‏:‏ دمدمت الشيء‏:‏ إذا ألزقته بالأرض، وطحطحته، ودمدم الله عليهم، أي‏:‏ أهلكهم‏.‏ وقال ابن الأعرابي‏:‏ دمدم إذا عذّب عذاباً تاماً‏.‏

والضمير في ‏{‏فسوّاها‏}‏ يعود إلى الدمدمة، أي‏:‏ فسوّى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم‏.‏ وقيل‏:‏ يعود إلى الأرض، أي‏:‏ فسوّى الأرض عليهم، فجعلهم تحت التراب‏.‏ وقيل‏:‏ يعود إلى الأمة، أي‏:‏ ثمود‏.‏ قال الفراء‏:‏ سوّى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوّى بينهم‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏(‏فدمدم‏)‏ بميم بين الدالين، وقرأ ابن الزبير‏:‏ ‏(‏فدهدم‏)‏ بهاء بين الدالين‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وهما لغتان، كما يقال‏:‏ امتقع لونه، واهتقع لونه‏.‏ ‏{‏فَلاَ يَخَافُ عقباها‏}‏ أي‏:‏ فعل الله ذلك بهم غير خائف من عاقبة، ولا تبعة‏.‏ والضمير في ‏{‏عقباها‏}‏ يرجع إلى الفعلة، أو إلى الدمدمة المدلول عليها بدمدم‏.‏ وقال السديّ، والضحاك، والكلبي‏:‏ إن الكلام يرجع إلى العاقر لا إلى الله سبحانه، أي‏:‏ لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع‏.‏ وقيل‏:‏ لا يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضرراً يعود عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم، والأوّل أولى‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ولا يخاف‏}‏ بالواو، وقرأ نافع، وابن عامر بالفاء‏.‏

وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ‏{‏وضحاها‏}‏ قال‏:‏ ضوئها ‏{‏والقمر إِذَا تلاها‏}‏ قال‏:‏ تبعها‏.‏ ‏{‏والنهار إِذَا جلاها‏}‏ قال‏:‏ أضاءها‏.‏ ‏{‏والسماء وَمَا بناها‏}‏ قال‏:‏ الله بنى السماء ‏{‏والأرض وَمَا طحاها‏}‏ قال‏:‏ دحاها‏.‏ ‏{‏فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ قال‏:‏ علمها الطاعة، والمعصية‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ‏{‏والأرض وَمَا طحاها‏}‏ يقول‏:‏ قسمها‏.‏ ‏{‏فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ قال‏:‏ من الخير والشرّ‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏فَأَلْهَمَهَا‏}‏ قال‏:‏ ألزمها فجورها وتقواها‏.‏ وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمران بن حصين؛ أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، شيء قد قضي عليهم، ومضى في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم نبيهم، واتخذت عليهم به الحجة، قال‏:‏ ‏"‏ بل شيء قد قضي عليهم ‏"‏ قال‏:‏ فلم يعملون إذن‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله‏:‏ ‏{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ ‏"‏ وسيأتي في السورة التي بعد هذه نحو هذا الحديث‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والنسائي عن زيد بن أرقم قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ اللَّهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ‏"‏ وأخرجه ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه من حديث ابن عباس، وزاد‏:‏ «كان إذا تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ قال‏:‏ فذكره‏.‏ وزاد أيضاً‏:‏ «وهو في الصلاة»‏.‏ وأخرج حديث زيد بن أرقم مسلم أيضاً‏.‏ وأخرج نحوه أحمد من حديث عائشة‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ يقول‏:‏ قد أفلح من زكى الله نفسه‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَابَ مَن دساها‏}‏ يقول‏:‏ قد خاب من دسّ الله نفسه فأضله‏.‏ ‏{‏وَلاَ يَخَافُ عقباها‏}‏ قال‏:‏ لا يخاف من أحد تبعة‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَابَ مَن دساها‏}‏ يعني‏:‏ مكر بها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ الآية ‏"‏ أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس خيبها الله من كل خير ‏"‏ وجويبر ضعيف‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏بِطَغْوَاهَا‏}‏ قال‏:‏ اسم العذاب الذي جاءها الطغوى، فقال‏:‏ كذبت ثمود بعذابها‏.‏ وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال‏:‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال‏:‏ ‏{‏إِذِ انبعث أشقاها‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏ انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة ‏"‏ وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والبغوي، والطبراني، وابن مردويه، والحاكم، وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي‏:‏ ‏"‏ ألا أحدّثك بأشقى الناس‏؟‏ ‏"‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال ‏"‏ رجلان‏:‏ أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا-«يعني قرنه»- حتى تبتل منه هذه- يعني‏:‏ لحيته ‏"‏‏.‏

سورة الليل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 21‏]‏

‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏(‏1‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏(‏2‏)‏ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏3‏)‏ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ‏(‏4‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏(‏5‏)‏ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏(‏6‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ‏(‏8‏)‏ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ‏(‏9‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ‏(‏10‏)‏ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ‏(‏11‏)‏ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ‏(‏12‏)‏ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى ‏(‏13‏)‏ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ‏(‏14‏)‏ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ‏(‏15‏)‏ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏16‏)‏ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ‏(‏17‏)‏ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ‏(‏19‏)‏ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ‏(‏20‏)‏ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ‏(‏21‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشى‏}‏ أي‏:‏ يغطي بظلمته ما كان مضيئاً‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار، وقيل‏:‏ يغشى النهار‏.‏ وقيل‏:‏ يغشى الأرض‏.‏ والأوّل أولى‏.‏ ‏{‏والنهار إِذَا تجلى‏}‏ أي‏:‏ ظهر وانكشف، ووضح لزوال الظلمة التي كانت في الليل، وذلك بطلوع الشمس ‏{‏وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى‏}‏ ‏"‏ ما ‏"‏ هنا هي الموصولة، أي‏:‏ والذي خلق الذكر والأنثى، وعبر عن من بما للدلالة على الوصفية، ولقصد التفخم، أي‏:‏ والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى‏.‏ قال الحسن، والكلبي‏:‏ معناه، والذي خلق الذكر والأنثى فيكون قد أقسم بنفسه‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏وما خلق‏}‏، أي‏:‏ ومن خلق‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ وخلق الذكر والأنثى فتكون «ما» على هذا مصدرية‏.‏ قال الكلبي، ومقاتل‏:‏ يعني‏:‏ آدم وحواء، والظاهر العموم‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وما خلق الذكر والأنثى‏}‏‏.‏ وقرأ ابن مسعود ‏(‏والذكر والأنثى‏)‏ بدون ‏"‏ ما خلق ‏"‏‏.‏ ‏{‏إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى‏}‏ هذا جواب القسم، أي‏:‏ إن عملكم لمختلف‏:‏ فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار‏.‏ قال جمهور المفسرين‏:‏ السعي العمل، فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها‏.‏ و‏{‏شتى‏}‏ جمع شتيت‏:‏ كمرضى ومريض‏.‏ وقيل‏:‏ للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعض‏.‏

‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى‏}‏ أي‏:‏ بذل ماله في وجوه الخير، واتقى محارم الله التي نهى عنها ‏{‏وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ أي‏:‏ بالخلف من الله‏.‏ قال المفسرون‏:‏ فأما من أعطى المعسرين‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أعطى حقّ الله الذي عليه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ أعطى الصدق من قلبه، وصدّق بالحسنى، أي‏:‏ بلا إله إلاّ الله، وبه قال الضحاك، والسلمي‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ بالحسنى بالجنة‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ بالصلاة، والزكاة، والصوم، والأوّل أولى‏.‏ قال قتادة‏:‏ بالحسنى، أي‏:‏ بموعود الله الذي وعده أن يثيبه‏.‏ قال الحسن‏:‏ بالخلف من عطائه، واختار هذا ابن جرير ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى‏}‏ أي‏:‏ فسنهيئه للخصلة الحسنى، وهي‏:‏ عمل الخير، والمعنى‏:‏ فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصدّيق اشترى ستة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله‏.‏

‏{‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى‏}‏ أي بخل بماله، فلم يبذله في سبل الخير، واستغنى أي‏:‏ زهد في الأجر والثواب، أو ‏{‏استغنى‏}‏ بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة‏.‏ ‏{‏وَكَذَّبَ بالحسنى‏}‏ أي‏:‏ بالخلف من الله عزّ وجلّ، وقال مجاهد‏:‏ بالجنة، وروي عنه أيضاً أنه قال‏:‏ بلا إله إلاّ الله ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى‏}‏ أي‏:‏ فسنهيئه للخصلة العسرى، ونسهلها له حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يعسر عليه أن يعطي خيراً‏.‏

قيل العسرى الشرّ، وذلك أن الشرّ يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب، والمعنى‏:‏ سنهيئه للشرّ بأن نجريه على يديه‏.‏ قال الفراء‏:‏ سنيسره سنهيئه، والعرب تقول‏:‏ قد يسرت الغنم إذا ولدت، أو تهيأت للولادة‏.‏ قال الشاعر‏:‏

هما سيدانا يزعمان وإنما *** يسوداننا إن يسرت غنماهما

‏{‏وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى‏}‏ أي‏:‏ لا يغني عنه شيئًا ماله الذي بخل به، أو أي شيء يغني عنه إذا تردّى، أي‏:‏ هلك، يقال‏:‏ ردي الرجل يردى ردى، وتردى يتردّى‏:‏ إذا هلك‏.‏ وقال قتادة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم‏:‏ ‏{‏إذا تردّى‏}‏‏:‏ إذا سقط في جهنم، يقال ردي في البئر، وتردّى‏:‏ إذا سقط فيها، ويقال‏:‏ ما أدري أين ردى، أي‏:‏ أين ذهب‏؟‏ ‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا للهدى‏}‏ هذه الجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها، أي‏:‏ إن علينا البيان‏.‏ قال الزجاج‏:‏ علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال‏.‏ قال قتادة‏:‏ على الله البيان‏:‏ بيان حرامه، وطاعته، ومعصيته‏.‏ قال الفراء‏:‏ من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، لقوله‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 9‏]‏ يقول‏:‏ من أراد الله، فهو على السبيل القاصد‏.‏ قال الفراء أيضاً‏:‏ المعنى إن علينا للهدى والإضلال، فحذف الإضلال كقوله‏:‏ ‏{‏سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 81‏]‏ وقيل المعنى‏:‏ إن علينا ثواب هداه الذي هديناه ‏{‏وَإِنَّ لَنَا لَلأَخِرَةَ والأولى‏}‏ أي‏:‏ لنا كلّ ما في الآخرة، وكلّ ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء‏.‏ فمن أرادهما أو إحداهما، فليطلب ذلك منا، وقيل المعنى‏:‏ إن لنا ثواب الآخرة، وثواب الدنيا‏.‏

‏{‏فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى‏}‏ أي‏:‏ حذرتكم وخوّفتكم ناراً تتوقد وتتوهج، وأصله تتلظى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً‏.‏ وقرأ على الأصل عبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف‏.‏ ‏{‏لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى‏}‏ أي‏:‏ يصلاها صلياً لازماً على جهة الخلود إلاّ الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة، فليس صليه كصليه‏.‏ والمراد بقوله‏:‏ ‏{‏يصلاها‏}‏‏:‏ يدخلها، أو يجد صلاها، وهو حرّها‏.‏ ثم وصف الأشقى فقال‏:‏ ‏{‏الذى كَذَّبَ وتولى‏}‏ أي‏:‏ كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وأعرض عن الطاعة والإيمان‏.‏ قال الفراء‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الأشقى‏}‏ إلاَّ من كان شقياً في علم الله جلّ ثناؤه‏.‏ قال أيضاً‏:‏ لم يكن كذب بردّ ظاهر، ولكن قصر عما أمر به من الطاعة، فجعل تكذيباً، كما تقول لقي فلان العدوّ، فكذّب‏:‏ إذا نكل، ورجع عن اتباعه‏.‏ قال الزجاج‏:‏ هذه الآية هي التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلاّ كافر؛ ولأهل النار منازل، فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار‏.‏ والله سبحانه كلّ ما وعد عليه بجنس من العذاب، فجدير أن يعذب به، وقد قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏

‏[‏النساء‏:‏ 48‏]‏ فلو كان كلّ من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء‏}‏ فائدة‏.‏ وقال في الكشاف‏:‏ الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين‏.‏ فقيل‏:‏ الأشقى، وجعل مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلاّ له‏.‏

وقيل‏:‏ الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلاّ له، وقيل‏:‏ المراد بالأشقى أبو جهل، أو أمية بن خلف، وبالأتقى‏:‏ أبو بكر الصدّيق، ومعنى‏:‏ ‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى‏}‏ سيباعد عنها المتقي للكفر اتقاء بالغاً‏.‏ قال الواحدي‏:‏ الأتقى أبو بكر الصدّيق في قول جميع المفسرين انتهى، والأولى حمل الأشقى والأتقى على كل متصف بالصفتين المذكورتين، ويكون المعنى أنه لا يصلاها صلياً تاماً إلاّ الكامل في الشقاء، وهو الكافر، ولا يجنبها ويبعد عنها تبعيداً كاملاً بحيث لا يحوم حولها فضلاً عن أن يدخلها إلاّ الكامل في التقوى، فلا ينافي هذا دخول بعض العصاة من المسلمين النار دخولاً غير لازم، ولا تبعيد بعض من لم يكن كامل التقوى عن النار تبعيداً غير بالغ مبلغ تبعيد الكامل في التقوى عنها‏.‏

والحاصل أن من تمسك من المرجئة بقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى‏}‏ زاعماً أن الأشقى الكافر؛ لأنه الذي كذب وتولى، ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين، فيقال له‏:‏ فما تقول في قوله‏:‏ ‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الاتقى‏}‏ فإنه يدلّ على أنه لا يجنب النار إلاّ الكامل في التقوى، فمن لم يكن كاملاً فيها كعصاة المسلمين لم يكن ممن يجنب النار‏.‏ فإن أوّلت الأتقى بوجه من وجوه التأويل لزمك مثله في الأشقى، فخذ إليك هذه مع تلك، وكن كما قال الشاعر‏:‏

على أنني راض بأن أحمل الهوى *** وأخرج منه لا عليّ ولا ليه

وقيل‏:‏ أراد بالأشقى، والأتقى الشقيّ، والتقيّ، كما قال طرفة بن العبد‏:‏

تمنى رجال أن أموت وإن أمت *** فتلك سبيل لست فيها بأوحد

أي‏:‏ بواحد‏.‏ ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب، فإن ذلك لا يكون إلاّ من الكافر، فلا يتمّ ما أراده قائل هذا القول من شمول الوصفين لعصاة المسلمين‏.‏ ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى فقال‏:‏ ‏{‏الذى يُؤْتِى مَالَهُ‏}‏ أي‏:‏ يعطيه، ويصرفه في وجوه الخير، وقوله‏:‏ ‏{‏يتزكى‏}‏ في محل نصب على الحال من فاعل يؤتي، أي‏:‏ حال كونه يطلب أن يكون عند الله زكياً لا يطلب رياء ولا سمعة، ويجوز أن يكون بدلاً من يؤتي داخلاً معه في حكم الصلة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يتزكى‏}‏ مضارع «تزكى»‏.‏ وقرأ عليّ بن الحسين بن علي‏:‏ ‏(‏تزكى‏)‏ بإدغام التاء في الزاي‏.‏ ‏{‏وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى‏}‏ الجملة مستأنفة؛ لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة الخلوص، غير مشوب بشائبة تنافي الخلوص أي‏:‏ ليس ممن يتصدّق بماله ليجازي بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها، وإنما يبتغي بصدقته وجه الله تعالى؛ ومعنى الآية‏:‏ أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازى عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما قال‏:‏ ‏{‏تجزى‏}‏ مضارعاً مبنياً للمفعول لأجل الفواصل، والأصل يجزيها إياه، أو يجزيه إياها‏.‏

‏{‏إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الاعلى‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إلاّ ابتغاء‏}‏ بالنصب على الاستثناء المنقطع لعدم اندراجه تحت جنس النعمة، أي‏:‏ لكن ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول له على المعنى، أي‏:‏ لا يؤتي إلاّ لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة‏.‏ قال الفراء‏:‏ هو منصوب على التأويل، أي‏:‏ ما أعطيتك ابتغاء جزائك بل ابتغاء وجه الله، وقرأ يحيى بن وثاب بالرفع على البدل من محل نعمة؛ لأن محلها الرفع إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، ومن مزيدة، والرفع لغة تميم؛ لأنهم يجوّزون البدل في المنقطع، ويجرونه مجرى المتصل‏.‏ قال مكي‏:‏ وأجاز الفراء الرفع في «ابتغاء» على البدل من موضع نعمة، وهو بعيد‏.‏ قال شهاب الدين‏:‏ كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده، هو البعيد فإنها لغة فاشية، وقرأ الجمهور أيضاً‏:‏ ‏{‏ابتغاء‏}‏ بالمدّ‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة بالقصر و‏{‏الأعلى‏}‏‏:‏ نعت للربّ‏.‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يرضى‏}‏ اللام هي‏:‏ الموطئة للقسم، أي‏:‏ وتالله لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يرضى‏}‏ مبنياً للفاعل، وقرئ مبنياً للمفعول‏.‏

وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشى‏}‏ قال‏:‏ إذا أظلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر عن ابن مسعود قال‏:‏ إن أبا بكر الصدّيق اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبيّ بن خلف ببردة، وعشر أواق، فأعتقه لله، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى‏}‏ سعي أبي بكر، وأمية وأبيّ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَكَذَّبَ بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ لا إله إلاّ الله إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى‏}‏ قال‏:‏ النار‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى‏}‏ من الفضل‏:‏ ‏{‏واتقى‏}‏ قال‏:‏ اتقى ربه ‏{‏وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ صدّق بالخلف من الله‏.‏ ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى‏}‏ قال‏:‏ للخير من الله‏.‏ ‏{‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى‏}‏ قال‏:‏ بخل بماله، واستغنى عن ربه‏.‏ ‏{‏وَكَذَّبَ بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ بالخلف من الله‏.‏ ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى‏}‏ قال‏:‏ للشرّ من الله‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه‏:‏ ‏{‏وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ أيقن بالخلف‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ يقول‏:‏ صدّق بلا إله إلاّ الله‏.‏ ‏{‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى‏}‏ يقول‏:‏ من أغناه الله، فبخل بالزكاة‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه‏:‏ أي بنيّ أراك تعتق أناساً ضعفاً، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك‏.‏ قال‏:‏ أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال‏:‏ فحدّثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى * فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ أبو بكر الصدّيق ‏{‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى * وَكَذَّبَ بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ أبو سفيان بن حرب‏.‏ وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عليّ بن أبي طالب قال‏:‏ كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال‏:‏ ‏"‏ ما منكم من أحد إلاّ وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار ‏"‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله أفلا نتكل‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة، فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فييسر لعمل أهل الشقاء ‏"‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى * وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏للعسرى‏}‏‏.‏ وأخرج أحمد، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد الله‏:‏ أن سراقة بن مالك قال‏:‏ يا رسول الله في أيّ شيء نعمل‏؟‏ أفي شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت به الأقلام، أم في شيء يستقبل فيه العمل‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ بل في شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلام ‏"‏ قال سراقة‏:‏ ففيم العمل إذن يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ اعملوا، فكلّ ميسر لما خلق له ‏"‏ وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى‏}‏»‏.‏ وقد تقدّم حديث عمران بن حصين في السورة التي قبل هذه‏.‏ وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة‏.‏

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال‏:‏ «لتدخلن الجنة إلاّ من يأبى، قالوا‏:‏ ومن يأبى أن يدخل الجنة‏؟‏ فقرأ‏:‏ ‏{‏الذى كَذَّبَ وتولى‏}‏»‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي أمامة قال‏:‏ لا يبقى أحد من هذه الأمة إلاّ أدخله الله الجنة، إلاّ من شرد على الله، كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدّقني فإن الله يقول‏:‏ ‏{‏لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى * الذى كَذَّبَ وتولى‏}‏ كذّب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وتولى عنه‏.‏ وأخرج أحمد، والحاكم، والضياء عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

«ألا كلكم يدخل الله الجنة إلاّ من شرد على الله شراد البعير على أهله» وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يدخل النار إلاّ شقيّ‏.‏ قيل‏:‏ ومن الشقيّ‏؟‏ قال‏:‏ الذي لا يعمل لله بطاعة، ولا يترك لله معصية» وأخرج أحمد، والبخاري عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كلّ أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلاّ من أبى، قالوا‏:‏ ومن يأبى يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أنّ أبا بكر الصدّيق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله‏:‏ بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية، وابنتها، وزنيرة، وأمّ عيسى، وأمة بني المؤمل‏.‏ وفيه نزلت‏:‏ ‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير ما قدّمنا عنه، وزاد فيه، فنزلت فيه هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى * إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى * وَلَسَوْفَ يرضى‏}‏‏.‏ وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر عنه نحو هذا من وجه آخر‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى‏}‏ قال‏:‏ هو‏:‏ أبو بكر الصدّيق‏.‏

سورة الضحى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالضُّحَى ‏(‏1‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ‏(‏2‏)‏ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏(‏3‏)‏ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ‏(‏4‏)‏ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ‏(‏6‏)‏ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ‏(‏7‏)‏ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ‏(‏8‏)‏ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ‏(‏10‏)‏ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ‏(‏11‏)‏‏}‏

والمراد بالضحى هنا‏:‏ النهار كله، لقوله‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا سجى‏}‏ فلما قابل الضحى بالليل دلّ على أن المراد به النهار كله لا بعضه‏.‏ وهو في الأصل اسم لوقت ارتفاع الشمس، كما تقدّم في قوله‏:‏ ‏{‏والشمس وضحاها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 1‏]‏‏.‏ والظاهر أن المراد به الضحى من غير تعيين‏.‏ وقال قتادة، ومقاتل، وجعفر الصادق‏:‏ إن المراد به الضحى الذي كلم الله فيه موسى، والمراد بقوله‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا سجى‏}‏ ليلة المعراج‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالضحى هو الساعة التي خرّ فيها السحرة سجداً، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 59‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المقسم به مضاف مقدّر، كما تقدّم في نظائره، أي‏:‏ وربّ الضحى‏.‏ وقيل تقديره‏:‏ وضحاوة الضحى، ولا وجه لهذا، فللّه سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه‏.‏ وقيل‏:‏ الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار‏.‏ وقيل‏:‏ الضحى نور قلوب العارفين، والليل سواد قلوب الكافرين‏.‏ ‏{‏واليل إِذَا سجى‏}‏ أي‏:‏ سكن، كذا قال قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وعكرمة، وغيرهم‏:‏ يقال‏:‏ ليلة ساجية، أي‏:‏ ساكنة، ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، يقال‏:‏ سجا الشيء يسجو سجواً‏:‏ إذا سكن‏.‏ قال عطاء‏:‏ سجا إذا غطي بالظلمة‏.‏ وروى ثعلب عن ابن الأعرابي‏:‏ سجا امتدّ ظلامه‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ سجو الليل تغطيته النهار، مثل ما يسجى الرجل بالثوب‏.‏ وقال الحسن‏:‏ غشي بظلامه‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ أقبل‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ أيضاً استوى، والأوّل أولى، وعليه جمهور المفسرين وأهل اللغة‏.‏ ومعنى سكونه‏:‏ استقرار ظلامه واستواؤه، فلا يزاد بعد ذلك‏.‏ ‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ‏}‏ هذا جواب القسم، أي‏:‏ ما قطعك قطع المودّع‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ما ودّعك‏}‏ بتشديد الدال من التوديع، وهو توديع المفارق‏.‏ وقرأ ابن عباس، وعروة بن الزبير، وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم‏:‏ ودعه أي‏:‏ تركه، ومنه قول الشاعر‏:‏

سل أميري ما الذي غيره *** عن وصالي اليوم حتى ودّعه

والتوديع أبلغ في الودع؛ لأن من ودّعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك‏.‏ قال المبرد‏:‏ لا يكادون يقولون ودع ولا وذر لضعف الواو إذا قدّمت، واستغنوا عنها بترك‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ودّعك من التوديع، كما يودّع المفارق‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ لم يقطع الوحي، وقد قدّمنا سبب نزول هذه الآية في فاتحة هذه السورة‏.‏ ‏{‏وَمَا قلى‏}‏ القلي البغض‏.‏ يقال‏:‏ قلاه يقليه قلاء‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وما أبغضك، وقال‏:‏ ‏{‏وما قلى‏}‏، ولم يقل، وما قلاك لموافقة رؤوس الآي‏.‏ والمعنى‏:‏ وما أبغضك، ومنه قول امرئ القيس‏:‏

ولست بمقليّ الخلال ولا قالي *** ‏{‏وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاولى‏}‏ اللام جواب قسم محذوف، أي‏:‏ الجنة خير لك من الدنيا، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي في الدنيا من شرف النبوّة ما يصغر عنده كلّ شرف، ويتضاءل بالنسبة إليه كلّ مكرمة في الدنيا؛ ولكنها لما كانت الدنيا بأسرها مشوبة بالأكدار منغصة بالعوارض البشرية، وكانت الحياة فيها كأحلام نائم، أو كظل زائل لم تكن بالنسبة إلى الآخرة شيئًا؛ ولما كانت طريقاً إلى الآخرة، وسبباً لنيل ما أعدّه الله لعباده الصالحين من الخير العظيم بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة للفوز بالجنة كان فيها خير في الجملة من هذه الحيثية‏.‏

‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ هذه اللام قيل هي لام الابتداء دخلت على الخبر لتأكيد مضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره، ولأنت سوف يعطيك الخ، وليست للقسم؛ لأنها لا تدخل على المضارع إلاّ مع النون المؤكدة‏.‏ وقيل‏:‏ هي للقسم‏.‏ قال أبو عليّ الفارسي‏:‏ ليست هذه اللام هي التي في قولك‏:‏ إن زيداً لقائم، بل هي التي في قولك لأقومنّ، ونابت «سوف» عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال‏:‏ وليعطينك‏.‏ قيل المعنى‏:‏ ولسوف يعطيك ربك الفتح في الدنيا والثواب في الآخرة، فترضى‏.‏ وقيل‏:‏ الحوض والشفاعة‏.‏ وقيل‏:‏ ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك‏.‏ وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏ والظاهر أنه سبحانه يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة، ومن أهمّ ذلك عنده، وأقدمه لديه قبول شفاعته لأمته‏.‏

‏{‏أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فاوى‏}‏ هذا شروع في تعداد ما أفاضه الله سبحانه عليه من النعم، أي‏:‏ وجدك يتيماً لا أب لك، ‏{‏فآوى‏}‏ أي‏:‏ جعل لك مأوى تأوي إليه، قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فآوى‏}‏ بألف بعد الهمزة رباعياً، من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب‏:‏ ‏(‏فآوى‏)‏ ثلاثياً، وهو إما بمعنى الرباعي، أو هو من أوى له إذا رحمه‏.‏ وعن مجاهد معنى الآية‏:‏ ألم يجدك واحداً في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيماً من قولهم درّة يتيمة، وهو بعيد جداً، والهمزة لإنكار النفي، وتقرير المنفيّ على أبلغ وجه، فكأنه قال‏:‏ قد وجدك يتيماً فآوى، والوجود بمعنى العلم، ويتيماً مفعوله الثاني‏.‏ وقيل‏:‏ بمعنى المصادفة، ويتيماً حال من مفعوله ‏{‏وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى‏}‏ معطوف على المضارع المنفي‏.‏ وقيل‏:‏ هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي قبله، كما ذكرنا، أي‏:‏ قد وجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، والضلال هنا بمعنى الغفلة، كما في قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 52‏]‏ وكما في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 3‏]‏ والمعنى‏:‏ أنه وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوّة، واختار هذا الزجاج‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ضالاً لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك‏.‏ وقال الكلبي، والسديّ، والفراء‏:‏ وجدك في قوم ضلال، فهداهم الله لك‏.‏ وقيل‏:‏ وجدك طالباً للقبلة، فهداك إليها، كما في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 144‏]‏‏.‏ ويكون الضلال بمعنى الطلب‏.‏ وقيل‏:‏ وجدك ضائعاً في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع‏.‏

وقيل‏:‏ وجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه قول الشاعر‏:‏

عجباً لعزة في اختيار قطيعتي *** بعد الضلال فحبلها قد أخلقا

وقيل‏:‏ وجدك ضالاً في شعاب مكة، فهداك، أي‏:‏ ردّك إلى جدّك عبد المطلب‏.‏ ‏{‏وَوَجَدَكَ عَائِلاً فأغنى‏}‏ أي‏:‏ وجدك فقيراً لا مال لك فأغناك‏.‏ يقال‏:‏ عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، ومنه قول أحيحة بن الجلاح‏:‏

فما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغنيّ متى يعيل

أي‏:‏ يفتقر‏.‏ قال الكلبي‏:‏ ‏{‏فأغنى‏}‏‏:‏ أي رضّاك بما أعطاك من الرزق، واختار هذا الفراء، قال‏:‏ لأنه لم يكن غنياً من كثرة، ولكن الله سبحانه رضاه بما آتاه، وذلك حقيقة الغنى‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ عائلاً ذا عيال، ومنه قول جرير‏:‏

الله أنزل في الكتاب فريضة *** لابن السبيل، وللفقير العائل

وقيل‏:‏ فأغنى بما فتح لك من الفتوح‏.‏ وفيه نظر؛ لأن السورة مكية‏.‏ وقيل‏:‏ بمال خديجة بنت خويلد‏.‏ وقيل‏:‏ وجدك فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏عائلاً‏}‏ وقرأ محمد بن السميفع، واليماني‏:‏ ‏(‏عيلاً‏)‏ بكسر الياء المشدّدة كسيد‏.‏ ثم أوصاه سبحانه باليتامى والفقراء فقال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ‏}‏ أي‏:‏ لا تقهره بوجه من وجوه القهر كائناً ما كان‏.‏ قال مجاهد‏:‏ لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيماً‏.‏ قال الأخفش‏:‏ لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك‏.‏ قال الفراء، والزجاج‏:‏ لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في حقّ اليتامى تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتيم، ويبرّه، ويوصي باليتامى‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فلا تقهر‏}‏ بالقاف، وقرأ ابن مسعود، والنخعي، والشعبيّ، والأشهب العقيلي‏:‏ ‏(‏تكهر‏)‏ بالكاف‏.‏ والعرب تعاقب بين القاف والكاف‏.‏ قال النحاس‏:‏ إنما يقال كهره‏:‏ إذا اشتدّ عليه وغلظ‏.‏ وقيل‏:‏ القهر الغلبة، والكهر الزجر‏.‏ قال أبو حيان‏:‏ هي لغة يعني قراءة الكاف مثل قراءة الجمهور‏.‏ و‏{‏اليتيم‏}‏ منصوب ب ‏{‏تقهر‏}‏‏.‏ ‏{‏وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ‏}‏ يقال‏:‏ نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره، فهو نهي عن زجر السائل والإغلاظ له، ولكن يبذل له اليسير، أو يردّه بالجميل‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ يريد السائل على الباب، يقول لا تنهره‏:‏ إذا سألك فقد كنت فقيراً، فإما أن تطعمه، وإما أن تردّه ردّاً ليناً‏.‏ قال قتادة‏:‏ معناه ردّ السائل برحمة ولين‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، و‏{‏السائل‏}‏ منصوب ب ‏{‏تنهر‏}‏، والتقدير‏:‏ مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل‏.‏

‏{‏وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ‏}‏ أمره سبحانه بالتحدّث بنعم الله عليه، وإظهارها للناس، وإشهارها بينهم‏.‏ والظاهر النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها، أو نوع من أنواعها‏.‏

وقال مجاهد، والكلبي‏:‏ المراد بالنعمة هنا القرآن‏.‏ قال الكلبي‏:‏ وكان القرآن أعظم ما أنعم الله به عليه، فأمره أن يقرأه‏.‏ قال الفراء‏:‏ وكان يقرؤه ويحدّث به‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ المراد بالنعمة النبوّة التي أعطاه الله‏.‏ واختار هذا الزجاج فقال‏:‏ أي‏:‏ بلغ ما أرسلت به، وحدّث بالنبوّة التي آتاك الله، وهي أجلّ النعم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ اشكر ما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من الهدي بعد الضلالة، وجبر اليتم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم‏.‏ والتحدّث بنعمة الله شكر، والجارّ والمجرور متعلق بحدّث، والفاء غير مانعة من تعلقه به، وهذه النواهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي نواه له ولأمته؛ لأنهم أسوته، فكل فرد من أفراد هذه الأمة منهيّ بكلّ فرد من أفراد هذه النواهي‏.‏

وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا سجى‏}‏ قال‏:‏ إذا أقبل‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه‏:‏ ‏{‏إِذَا سجى‏}‏ قال‏:‏ إذا ذهب ‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ‏}‏ قال‏:‏ ما تركك ‏{‏وَمَا قلى‏}‏ قال‏:‏ ما أبغضك‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ عرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي ‏"‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم عنه أيضاً قال‏:‏ «عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسرّ بذلك، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم»‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ قال‏:‏ رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال‏:‏ من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار‏.‏ وأخرج الخطيب في التلخيص من وجه آخر عنه أيضاً في الآية قال‏:‏ لا يرضى محمد، وأحد من أمته في النار، ويدلّ على هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عمرو‏:‏ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم‏:‏ ‏{‏فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 36‏]‏ وقول عيسى‏:‏ ‏{‏إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 118‏]‏ الآية، فرفع يديه، وقال‏:‏ ‏"‏ اللَّهم أمتي أمتي، وبكى ‏"‏ فقال الله‏:‏ يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له‏:‏ إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك‏.‏

وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح قال‏:‏ قلت لأبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدّث بها أهل العراق أحقّ هي‏؟‏ قال‏:‏ إي والله‏.‏

حدّثني محمد بن الحنفية عن عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد‏؟‏ فأقول‏:‏ نعم يا رب رضيت» ثم أقبل عليّ فقال‏:‏ إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله ‏{‏قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏‏.‏ قلت‏:‏ إنا لنقول ذلك، قال‏:‏ فكنا أهل البيت نقول‏:‏ إن أرجى آية في كتاب الله‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ وهي الشفاعة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا» ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏‏.‏ وأخرج العسكري في المواعظ، وابن مردويه، وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وهي تطحن بالرّحى، وعليها كساء من جلد الإبل، فلما نظر إليها قال‏:‏ «يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة» فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت‏:‏ قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فقال تعالى‏:‏ يا محمد ألم أجدك يتيماً، فآويتك‏؟‏ ألم أجدك ضالاً، فهديتك‏؟‏ ألم أجدك عائلاً، فأغنيتك‏؟‏ ألم أشرح لك صدرك‏؟‏ ألم أضع عنك وزرك‏؟‏ ألم أرفع لك ذكرك‏؟‏ قلت بلى يا ربّ» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏والضحى‏}‏ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يمنّ عليّ ربي وأهل أن يمنّ ربي» وأخرج ابن مردويه عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى‏}‏ قال‏:‏ وجدك بين الضالين، فاستنقذك من ضلالتهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن عليّ في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ‏}‏ قال‏:‏ ما علمت من الخير‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال‏:‏ إذا أصبت خيراً، فحدّث إخوانك‏.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والبيهقي في الشعب، والخطيب في المتفق، قال السيوطي بسند ضعيف عن النعمان بن بشير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر‏:‏ «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة»

وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن حبان، والبيهقي، والضياء عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره» وأخرج البخاري في الأدب، وأبو داود، والضياء عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من أعطى عطاء فوجد، فليجز به، فإن لم يجد فليثن به‏.‏ فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوبي زور» وأخرج أحمد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من أولى معروفاً فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره، فقد شكره»‏.‏

سورة الشرح

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ‏(‏1‏)‏ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ‏(‏3‏)‏ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ‏(‏4‏)‏ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏6‏)‏ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ‏(‏7‏)‏ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ‏(‏8‏)‏‏}‏

معنى شرح الصدر‏:‏ فتحه بإذهاب ما يصدّ عن الإدراك‏.‏ والاستفهام إذا دخل على النفي قرّره، فصار المعنى‏:‏ قد شرحنا لك صدرك‏.‏ وإنما خصّ الصدر؛ لأنه محل أحوال النفس من العلوم، والإدراكات‏.‏ والمراد‏:‏ الامتنان عليه صلى الله عليه وسلم بفتح صدره، وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوّة، وحفظ الوحي، وقد مضى القول في هذا عند تفسير قوله‏:‏ ‏{‏أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 22‏]‏ ‏{‏وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ‏}‏ معطوف على معنى ما تقدّم، لا على لفظه، أي‏:‏ قد شرحنا لك صدرك، ووضعنا‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان‏:‏

ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح

أي‏:‏ أنتم خير من ركب المطايا، وأندى‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏نشرح‏}‏ بسكون الحاء بالجزم، وقرأ أبو جعفر المنصور العباسي بفتحها‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ قالوا لعله بين الحاء، وأشبعها في مخرجها، فظنّ السامع أنه فتحها‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ إن الأصل «ألم نشرحن» بالنون الخفيفة، ثم إبدالها ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً، كما أنشد أبو زيد‏:‏

من أي يوميَّ من الموت أفر *** أيوم لم يقدّر أم يوم قدر

بفتح الراء من «لم يقدر»‏.‏ ومثله قوله‏:‏

اضرب عنك الهموم طارقها *** ضربك بالسيف قونس الفرس

بفتح الباء من اضرب‏.‏ وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم»، وهو قليل جداً كقوله‏:‏

يحسبه الجاهل ما لم يعلما *** شيخا على كرسيه معمما

فقد تركبت هذه القراءة من ثلاثة أصول، كلها ضعيفة‏:‏ الأول توكيد المجزوم ب «لم»، وهو ضعيف‏.‏ الثاني إبدالها ألفاً، وهو خاص بالوقف، فإجراء الوصل مجرى الوقف ضعيف‏.‏ والثالث‏:‏ حذف الألف، وهو ضعيف أيضاً؛ لأنه خلاف الأصل، وخرّجها بعضهم على لغة بعض العرب الذين ينصبون ب «لم» ويجزمون ب «لن»، ومنه قول الشاعر‏:‏

في كل ما همّ أمضى رأيه قدما *** ولم يشاور في إقدامه أحدا

بنصب الراء من «يشاور»، وهذه اللغة لبعض العرب ما أظنها تصح‏.‏ وإن صحت، فليست من اللغات المعتبرة، فإنها جاءت بعكس ما عليه لغة العرب بأسرها‏.‏ وعلى كل حال، فقراءة هذا الرجل مع شدّة جوره، ومزيد ظلمه، وكثرة جبروته، وقلة علمه ليس بحقيقة بالاشتغال بها‏.‏ والوزر‏:‏ الذنب، أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية‏.‏ قال الحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل‏:‏ المعنى حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 2‏]‏ ثم وصف هذا الوزر فقال‏:‏ ‏{‏الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ‏}‏‏.‏

قال المفسرون‏:‏ أي أثقل ظهرك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أثقله حتى سمع له نقيض، أي‏:‏ صوت، وهذا مثل معناه‏:‏ أنه لو كان حملاً يحمل لسمع نقيض ظهره، وأهل اللغة يقولون‏:‏ أنقض الحمل ظهر الناقة‏:‏ إذا سمع له صرير، ومنه قول جميل‏:‏

وحتى تداعت بالنقيض حباله *** وهمت ثواني زوره أن تحطما

وقول العباس بن مرداس‏:‏

وأنقض ظهري ما تطويت منهم *** وكنت عليهم مشفقا متحننا

قال قتادة‏:‏ كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له، وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوّة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت له‏:‏ وكذا قال أبو عبيدة وغيره‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ ‏(‏وحللنا عنك وقرك‏)‏‏.‏ ثم ذكر سبحانه منته عليه وكرامته فقال‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ‏}‏ قال الحسن‏:‏ وذلك أن الله لا يذكر في موضع إلاّ ذكر معه صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال قتادة‏:‏ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي، فيقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن محمداً رسول الله‏.‏ قال مجاهد‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ‏}‏ يعني‏:‏ بالتأذين‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وأمرناهم بالبشارة به‏.‏ وقيل‏:‏ رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وعند المؤمنين في الأرض‏.‏ والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي امتنّ الله به عليه يتناول جميع هذه الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، وكذلك أمره بالصلاة والسلام عليه، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الله عزّ وجلّ أن من صلّى عليه، واحدة صلى الله عليه بها عشراً، وأمر الله بطاعته كقوله‏:‏ ‏{‏أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 31‏]‏ وغير ذلك‏.‏ وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السموات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق، والذكر الحسن، والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده، ‏{‏ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 21‏]‏ اللَّهم صلّ وسلم عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه المصلون بكل لسان في كل زمان، وما أحسن قول حسان‏:‏

أغرّ عليه للنبوّة خاتم *** من الله مشهور يلوح، ويشهد

وضم الإله اسم النبيّ مع اسمه *** إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود، وهذا محمد

‏{‏فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ أي‏:‏ إن مع الضيقة سعة، ومع الشدّة رخاء، ومع الكرب فرج‏.‏ وفي هذا وعد منه سبحانه بأن كل عسير يتيسر، وكل شديد يهون، وكل صعب يلين‏.‏ ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريراً وتأكيداً، فقال‏:‏ مكرّراً له بلفظ ‏{‏إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ أي‏:‏ إن مع ذلك العسر المذكور سابقاً يسراً آخر لما تقرّر من أنه إذا أعيد المعرّف يكون الثاني عين الأوّل سواء كان المراد به الجنس أو العهد، بخلاف المنكر إذا أعيد، فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأوّل في الغالب، ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في معنى هذه الآية‏:‏

«لن يغلب عسر يسرين» قال الواحدي‏:‏ وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان‏.‏ قال الزجاج‏:‏ ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره، فصار المعنى‏:‏ إن مع العسر يسرين‏.‏ قيل، والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرّر‏.‏ قرأ الجمهور بسكون السين في العسر، واليسر في الموضعين‏.‏ وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو جعفر، وعيسى بضمها في الجميع‏.‏

‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب‏}‏ أي‏:‏ إذا فرغت من صلاتك، أو من التبليغ، أو من الغزو، فانصب، أي‏:‏ فاجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، أو فانصب في العبادة‏.‏ والنصب‏:‏ التعب‏.‏ يقال‏:‏ نصب ينصب نصباً، أي‏:‏ تعب‏.‏ قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي‏:‏ إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك، وكذا قال مجاهد‏.‏ قال الشعبي‏:‏ إذا فرغت من التشهد، فادعو لدنياك وآخرتك، وكذا قال الزهري‏.‏ وقال الكلبي أيضاً‏:‏ إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب أي‏:‏ استغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات‏.‏ وقال الحسن، وقتادة‏:‏ إذا فرغت من جهاد عدوّك، فانصب لعبادة ربك‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ إذا فرغت من دنياك، فانصب في صلاتك، ‏{‏وإلى رَبّكَ فارغب‏}‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ اجعل رغبتك إلى الله وحده‏.‏ قال عطاء‏:‏ يريد أنه يضرع إليه راهباً من النار، راغباً في الجنة‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه يرغب إليه سبحانه لا إلى غيره كائناً من كان، فلا يطلب حاجاته إلاّ منه، ولا يعوّل في جميع أموره إلاّ عليه‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فارغب‏}‏ وقرأ زيد بن عليّ، وابن أبي عبلة‏:‏ ‏(‏فرغب‏)‏ بتشديد الغين، أي‏:‏ فرغب الناس إلى الله، وشوّقهم إلى ما عنده من الخير‏.‏

وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏}‏ قال‏:‏ شرح الله صدره للإسلام‏.‏ وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أتاني جبريل فقال‏:‏ إن ربك يقول‏:‏ تدري كيف رفعت ذكرك‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ إذا ذكرت ذكرت معي» وإسناد ابن جرير هكذا‏:‏ حدّثني يونس أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد‏.‏

وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج‏.‏ وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى به‏.‏ وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ‏}‏ الآية، قال‏:‏ لا يذكر الله إلاّ ذكر معه‏.‏

وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال‏:‏ «كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً، وحياله جحر، فقال‏:‏ ‏"‏ لو دخل العسر هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ‏"‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ ‏{‏إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏.‏‏}‏ ولفظ الطبراني‏:‏ «وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً * إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏»‏.‏ وأخرج ابن النجار عنه مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً مرفوعاً نحوه، قال السيوطي، وسنده ضعيف‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الصبر، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود مرفوعاً‏:‏ ‏"‏ لو كان العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه، فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين إن الله يقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ ‏"‏ قال البزار‏:‏ لا نعلم رواه عن أنس إلاّ عائذ بن شريح‏.‏ قال فيه أبو حاتم الرازي‏:‏ في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرّة عن رجل عن عبد الله بن مسعود‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، والبيهقي عن الحسن قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً وهو يضحك، ويقول‏:‏ ‏"‏ لن يغلب عسر يسرين، ‏{‏إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ ‏"‏ وهذا مرسل‏.‏ وروي نحوه مرفوعاً مرسلاً عن قتادة‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب‏}‏ الآية قال‏:‏ إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله، وارغب إليه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه قال‏:‏ قال الله لرسوله‏:‏ إذا فرغت من الصلاة وتشهدت، فانصب إلى ربك واسأله حاجتك‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود‏:‏ ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب‏}‏ إلى الدعاء‏.‏ ‏{‏وإلى رَبّكَ فارغب‏}‏ في المسألة‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه‏:‏ ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب‏}‏ قال‏:‏ إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل‏.‏

سورة التين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏(‏1‏)‏ وَطُورِ سِينِينَ ‏(‏2‏)‏ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ‏(‏4‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ‏(‏5‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏6‏)‏ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ‏(‏7‏)‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قال أكثر المفسرين‏:‏ هو التين الذي يأكله الناس ‏{‏والزيتون‏}‏ الذي يعصرون منه الزيت، وإنما أقسم بالتين؛ لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك، وجعلها على مقدار اللقمة‏.‏ قال كثير من أهل الطب‏:‏ إن التين أنفع الفواكه للبدن، وأكثرها غذاء، وذكروا له فوائد، كما في كتب المفردات والمركبات، وأما الزيتون، فإنه يعصر منه الزيت الذي هو إدام غالب البلدان ودهنهم، ويدخل في كثير من الأدوية‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس؛ وقال قتادة‏:‏ التين الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس‏.‏ وقال عكرمة، وكعب الأحبار‏:‏ التين دمشق، والزيتون بيت المقدس‏.‏

وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية، والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ولا نقل‏.‏ وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية‏.‏ قال الفراء‏:‏ سمعت رجلاً يقول‏:‏ التين جبال حلوان إلى همدان، والزيتون جبال الشام‏.‏ قلت‏:‏ هب أنك سمعت هذا الرجل، فكان ماذا‏؟‏ فليس بمثل هذا تثبت اللغة، ولا هو نقل عن الشارع‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيلياء‏.‏ وقيل‏:‏ إنه على حذف مضاف، أي‏:‏ ومنابت التين والزيتون‏.‏ قال النحاس‏:‏ لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوِّز خلافه‏.‏

‏{‏وَطُورِ سِينِينَ‏}‏ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى اسمه الطور، ومعنى ‏{‏سينين‏}‏‏:‏ المبارك الحسن بلغة الحبشة قاله قتادة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو المبارك بالسريانية‏.‏ وقال مجاهد، والكلبي‏:‏ ‏{‏سينين‏}‏ كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين، وسيناء بلغة النبط‏.‏ قال الأخفش‏:‏ طور جبل، وسينين شجر، واحدته سينة‏.‏ قال أبو علي الفارسي‏:‏ سينين، فعليل، فكرّرت اللام التي هي نون فيه، ولم ينصرف سينين، كما لم ينصرف سيناء؛ لأنه جعل اسماً للبقعة‏.‏ وإنما أقسم بهذا الجبل؛ لأنه بالشام، وهي الأرض المقدسة، كما في قوله‏:‏ ‏{‏إلى المسجد الأقصى الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏ وأعظم بركة حلت به، ووقعت عليه تكليم الله لموسى عليه‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏سينين‏}‏ بكسر السين‏.‏ وقرأ ابن إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء بفتحها، وهي لغة بكر وتميم‏.‏ وقرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والحسن، وطلحة‏:‏ ‏(‏سيناء‏)‏ بالكسر والمدّ‏.‏ ‏{‏وهذا البلد الأمين‏}‏ يعني‏:‏ مكة، سماه أميناً؛ لأنه آمن، كما قال‏:‏ ‏{‏أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 67‏]‏‏.‏ يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين‏.‏ قال الفراء وغيره‏:‏ الأمين بمعنى الآمن، ويجوز أن يكون، فعيلاً بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل‏.‏

‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏}‏ هذا جواب القسم، أي‏:‏ خلقنا جنس الإنسان كائناً في أحسن تقويم وتعديل‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ إن الله خلق كل ذي روح مكباً على وجهه إلاّ الإنسان، خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، ومعنى التقويم‏:‏ التعديل‏.‏ يقال‏:‏ قوّمته، فاستقام‏.‏ قال القرطبي‏:‏ هو اعتداله واستواء شأنه، كذا قال عامة المفسرين‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن الله خلق آدم على صورته» يعني‏:‏ على صفاته التي تقدم ذكرها‏.‏ قلت‏:‏ وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 110‏]‏ ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق، وعجيب الصنع، فلينظر في كتاب‏:‏ ‏(‏العبر والاعتبار‏)‏ للجاحظ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله‏:‏ ‏{‏وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 21‏]‏ وهو في مجلدين ضخمين‏.‏

‏{‏ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين‏}‏ أي‏:‏ رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم، والضعف بعد الشباب والقوّة، حتى يصير كالصبيّ، فيخرف وينقص عقله، كذا قال جماعة من المفسرين‏.‏ قال الواحدي‏:‏ والسافلون هم‏:‏ الضعفاء، والزمناء، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعاً‏.‏ وقال مجاهد، وأبو العالية، والحسن‏:‏ المعنى ثم رددنا الكافر إلى النار، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض، فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، ولا ينافي هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 145‏]‏ فلا مانع من كون الكفار، والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل، وقوله‏:‏ ‏{‏أَسْفَلَ سافلين‏}‏ إما حال من المفعول، أي‏:‏ رددناه حال كونه أسفل سافلين، أو صفة لمقدر محذوف، أي‏:‏ مكاناً أسفل سافلين ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ هذا الاستثناء على القول الأوّل منقطع، أي لكن الذين آمنوا إلخ، ووجهه أن الهرم والردّ إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن، كما يصاب به الكافر، فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال معنى‏.‏ وعلى القول الثاني يكون الاستثناء متصلاً من ضمير ‏{‏رددناه‏}‏، فإنه في معنى الجمع، أي‏:‏ رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 3‏]‏ ‏{‏فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ أي‏:‏ غير مقطوع، أي‏:‏ فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم؛ فهذه الجملة على القول الأوّل مبينة لكيفية حال المؤمنين، وعلى القول الثاني مقرّرة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الردّ، وقال‏:‏ أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع، ولو قال‏:‏ أسفل سافل لجاز؛ لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد‏.‏

وقيل‏:‏ معنى رددناه أسفل سافلين‏:‏ رددناه إلى الضلال، كما قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 2، 3‏]‏ أي‏:‏ إلاّ هؤلاء، فلا يردّون إلى ذلك‏.‏

‏{‏فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين‏}‏ الخطاب للإنسان الكافر، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وإلزام الحجة، أي‏:‏ إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردّك أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء‏؟‏ وقيل‏:‏ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أي‏:‏ أيّ شيء يكذبك يا محمد بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة، فاستيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين‏.‏ قال الفراء، والأخفش‏:‏ المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين، كأنه قال‏:‏ من يقدر على ذلك‏؟‏ أي‏:‏ على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، واختار هذا ابن جرير‏.‏ والدين الجزاء، ومنه قول الشاعر‏:‏

دنَّا تميما كما كانت أوائلنا *** دانت أوائلهم من سالف الزمن

وقال الآخر‏:‏

ولما صرّح الشر *** فأمسى وهو عريان

ولم يبق سوى العدوا *** ن دنَّاهم كما دانوا

‏{‏أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين‏}‏ أي‏:‏ أليس الذي فعل ما فعل مما ذكرنا بأحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً‏؟‏ حتى تتوهم عدم الإعادة والجزاء‏.‏ وفيه وعيد شديد للكفار‏.‏ ومعنى‏:‏ أحكم الحاكمين‏:‏ أتقن الحاكمين في كل ما يخلق‏.‏ وقيل‏:‏ أحكم الحاكمين قضاء وعدلاً‏.‏ والاستفهام إذا دخل على النفي صار الكلام إيجاباً، كما تقدّم تفسير قوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وقد أخرج الخطيب، وابن عساكر قال السيوطي بسند فيه مجهول عن الزهري عن أنس قال‏:‏ لما أنزلت سورة ‏{‏التين والزيتون‏}‏ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحاً شديداً حتى تبين لنا شدّة فرحه، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال‏:‏ التين بلاد الشام‏.‏ والزيتون بلاد فلسطين‏.‏ وطور سيناء الذي كلم الله عليه موسى ‏{‏وهذا البلد الأمين‏}‏‏:‏ مكة ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏}‏ محمداً ‏{‏ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين‏}‏‏:‏ عبدة اللات والعزّى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ‏{‏فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين * أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين‏}‏ إذ بعثك فيهم نبياً، وجمعك على التقوى يا محمد، ومثل هذا التفسير من ابن عباس لا تقوم به حجة لما تقدّم من كون في إسناده ذلك المجهول‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ قال‏:‏ مسجد نوح الذي بني على الجوديّ، والزيتون قال‏:‏ بيت المقدس‏:‏ ‏{‏وَطُورِ سِينِينَ‏}‏ قال‏:‏ مسجد الطور‏.‏ ‏{‏وهذا البلد الأمين‏}‏ قال‏:‏ مكة ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين‏}‏ يقول‏:‏ يردّ إلى أرذل العمر، كبر حتى ذهب عقله، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم‏.‏

‏{‏فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين‏}‏ يقول‏:‏ بحكم الله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه نحوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضاً ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ قال‏:‏ الفاكهة التي يأكلها الناس ‏{‏وَطُورِ سِينِينَ‏}‏ قال‏:‏ الطور الجبل‏.‏ والسينين المبارك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال‏:‏ سينين هو الحسن‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏}‏ قال‏:‏ في أعدل خلق‏:‏ ‏{‏ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين‏}‏ يقول‏:‏ إلى أرذل العمر‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ يعني غير منقوص‏.‏ يقول فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر، وكان يعمل في شبابه عملاً صالحاً كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، ولم يضرّه ما عمل في كبره، ولم تكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر‏.‏

وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال‏:‏ من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ قال‏:‏ لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه ‏{‏ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين‏}‏ يقول‏:‏ إلى الكبر وضعفه، فإذا كبر وضعف عن العمل، كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته‏.‏ وأخرج أحمد، والبخاري، وغيرهما عن أبي موسى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مرض العبد، أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً» وأخرج الترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ «من قرأ ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ فقرأ‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين‏}‏ فليقل‏:‏ بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين» وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعاً‏:‏ «إذا قرأت ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ فقرأت‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين‏}‏ فقل بلى» وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين‏}‏ قال‏:‏ سبحانك اللَّهم فبلى ا‏.‏ ه‏.‏

سورة العلق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 19‏]‏

‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏(‏1‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ‏(‏2‏)‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ‏(‏3‏)‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ‏(‏4‏)‏ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏(‏5‏)‏ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ‏(‏6‏)‏ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ‏(‏7‏)‏ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ‏(‏8‏)‏ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ‏(‏9‏)‏ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ‏(‏10‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ‏(‏11‏)‏ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ‏(‏12‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ‏(‏14‏)‏ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ‏(‏15‏)‏ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ‏(‏16‏)‏ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ‏(‏17‏)‏ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ‏(‏18‏)‏ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ‏(‏19‏)‏‏}‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏اقرأ‏}‏ بسكون الهمزة أمراً من القراءة‏.‏ وقرأ عاصم في رواية عنه بفتح الراء، وكأنه قلب الهمزة ألفاً ثم حذفها للأمر‏.‏ والأمر بالقراءة يقتضي مقروءاً، فالتقدير‏:‏ اقرأ ما يوحى إليك، أو ما نزل عليك، أو ما أمرت بقراءته، وقوله‏:‏ ‏{‏باسم رَبّكَ‏}‏ متعلق بمحذوف هو حال، أي‏:‏ اقرأ ملتبساً باسم ربك، أو مبتدئاً باسم ربك، أو مفتتحاً، ويجوز أن تكون الباء زائدة، والتقدير‏:‏ اقرأ اسم ربك كقول الشاعر‏:‏

سود المحاجر لا يقرأن بالسور *** قاله أبو عبيدة‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ الاسم صلة، أي‏:‏ اذكر ربك‏.‏ وقيل الباء بمعنى على، أي‏:‏ اقرأ على اسم ربك، يقال افعل كذا بسم الله، وعلى اسم الله قاله الأخفش‏.‏ وقيل‏:‏ الباء للاستعانة، أي‏:‏ مستعيناً باسم ربك، ووصف الربّ بقوله‏:‏ ‏{‏الذى خَلَقَ‏}‏ لتذكير النعمة لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه يترتب سائر النعم‏.‏ قال الكلبي‏:‏ يعني الخلائق‏.‏ ‏{‏خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ‏}‏ يعني‏:‏ بني آدم‏.‏ والعلقة الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏من علق‏}‏ بجمع علق؛ لأن المراد بالإنسان الجنس‏.‏ والمعنى‏:‏ خلق جنس الإنسان من جنس العلق، وإذا كان المراد بقوله‏:‏ ‏{‏الذى خَلَقَ‏}‏ كل المخلوقات، فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفاً له لما فيه من بديع الخلق، وعجيب الصنع، وإذا كان المراد بالذي خلق الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيراً للأول‏.‏ والنكتة ما في الإبهام، ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى معرفة ما أبهم أوّلاً، ثم فسرّ ثانياً‏.‏ ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير، فقال‏:‏ ‏{‏اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم‏}‏ أي‏:‏ افعل ما أمرت به من القراءة، وجملة‏:‏ ‏{‏وَرَبُّكَ الأكرم‏}‏ مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به صلى الله عليه وسلم من قوله‏:‏ «ما أنا بقارئ» يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وهو أميّ‏.‏ فقيل له‏:‏ اقرأ، وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم‏.‏ قال الكلبي‏:‏ يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم‏.‏ وقيل‏:‏ إنه أمره بالقراءة أوّلاً لنفسه، ثم أمره بالقراءة ثانياً للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد، والأوّل أولى‏.‏

‏{‏الذى عَلَّمَ بالقلم‏}‏ أي‏:‏ علم الإنسان الخط بالقلم‏.‏ فكان بواسطة ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب‏.‏ قال الزجاج‏:‏ علم الإنسان الكتابة بالقلم‏.‏ قال قتادة‏:‏ القلم نعمة من الله عزّ وجلّ عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش‏.‏ فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده مالم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلاّ هو، وما دوّنت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأوّلين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلاّ بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين، ولا أمور الدنيا، وسمي قلماً لأنه يقلم أي‏:‏ يقطع‏.‏

‏{‏عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ هذه الجملة بدل اشتمال من التي قبلها، أي‏:‏ علمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما لم يعلم به منها‏.‏ قيل‏:‏ المراد بالإنسان هنا آدم كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 31‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الإنسان هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ والأولى حمل الإنسان على العموم، والمعنى‏:‏ أن من علمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة القلم فقد علمه ما لم يعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع وزجر لمن كفر نعم الله عليه بسبب طغيانه وإن لم يتقدم له ذكر‏.‏ ومعنى ‏{‏إِنَّ الإنسان ليطغى‏}‏ أنه يجاوز الحد، ويستكبر عل ربه‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالإنسان هنا أبو جهل، وهو المراد بهذا، وما بعده إلى آخر السورة، وأنه تأخر نزول هذا وما بعده عن الخمس الآيات المذكورة في أوّل هذه السورة‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ هنا بمعنى حقاً قاله الجرجاني، وعلل ذلك بأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلا» ردّاً له، وقوله‏:‏ ‏{‏أَن رَّءاهُ استغنى‏}‏ علة ليطغى، أي ليطغى أن رأى نفسه مستغنياً، والرؤية هنا بمعنى العلم، ولو كانت البصرية لامتنع الجمع بين الضميرين في فعلها لشيء واحد لأن ذلك من خواص باب علم، ونحوه‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ لم يقل رأى نفسه كما قيل قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تريد اسماً وخبراً نحو الظنّ والحسبان فلا يقتصر فيه على مفعول واحد، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول‏:‏ رأيتني وحسبتني، ومتى تراك خارجاً، ومتى تظنك خارجاً‏.‏ قيل‏:‏ والمراد هنا أنه استغنى بالعشيرة والأنصار والأموال‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أن رآه‏}‏ بمد الهمزة‏.‏ وقرأ قنبل عن ابن كثير بقصرها‏.‏ قال مقاتل‏:‏ كان أبو جهل إذا أصاب مالاً زاد في ثيابه، ومركبه، وطعامه، وشرابه، فذلك طغيانه‏.‏ وكذا قال الكلبي‏.‏

ثم هدد سبحانه وخوّف، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى‏}‏ أي‏.‏ المرجع، والرجعى والمرجع والرجوع مصادر‏.‏ يقال‏:‏ رجع إليه مرجعاً ورجوعاً ورجعى‏.‏ وتقدّم الجار والمجرور للقصر، أي‏:‏ الرجعى إليه سبحانه لا إلى غيره‏.‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْداً إِذَا صلى‏}‏ قال المفسرون‏:‏ الذي ينهي أبو جهل، والمراد بالعبد محمد، وفيه تقبيح لصنعه، وتشنيع لفعله حتى كأنه بحيث يراه كل من تتأتى منه الرؤية‏.‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَانَ على الهدى‏}‏ يعني‏:‏ العبد المنهيّ إذا صلى، وهو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏أَوْ أَمَرَ بالتقوى‏}‏ أي‏:‏ بالإخلاص والتوحيد، والعمل الصالح الذي تتقي به النار‏.‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى‏}‏ يعني أبا جهل، كذب بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ‏}‏ في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني؛ لأن الرؤية لما كانت سبباً للإخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها، والخطاب لكل من يصلح له‏.‏

وقد ذكر هنا‏:‏ ‏{‏أرأيت‏}‏ ثلاث مرات، وصرح بعد الثالثة منها‏.‏ بجملة استفهامية، فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأوّل محذوف، وهو ضمير يعود على ‏{‏الذي ينهى‏}‏ الواقع مفعولاً أوّل ل ‏{‏أرأيت‏}‏ الأولى، ومفعول ‏{‏أرأيت‏}‏ الأولى الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد ‏{‏أرأيت‏}‏ الثانية‏.‏ وأما ‏{‏أرأيت‏}‏ الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أوّل، ولا ثاني، حذف الأوّل لدلالة مفعول ‏{‏أرأيت‏}‏ الثالثة عليه فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من رأيت للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً، والجمل لا تضمر، إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة، وأما جواب الشرط المذكور مع ‏{‏أرأيت‏}‏ في الموضعين الآخرين‏.‏ فهو محذوف تقديره‏:‏ إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى‏}‏، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى‏}‏ أي‏:‏ يطلع على أحواله، فيجازيه بها، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه‏؟‏ والاستفهام للتقريع والتوبيخ‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏أرأيت‏}‏ الأولى مفعولها الأوّل الموصول، ومفعولها الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور‏.‏ و‏{‏أرأيت‏}‏ في الموضعين تكرير للتأكيد‏.‏ وقيل كل واحدة من ‏{‏أرأيت‏}‏ بدل من الأولى‏.‏ و‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى‏}‏ الخبر‏.‏

قوله ‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع للناهي، واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ‏}‏ هي الموطئة للقسم، أي‏:‏ والله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر ‏{‏لَنَسْفَعاً بالناصية‏}‏ السفع الجذب الشديد، والمعنى‏:‏ لنأخذنّ بناصيته، ولنجرّنه إلى النار‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏فَيُؤْخَذُ بالنواصى والاقدام‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 41‏]‏ ويقال سفعت الشيء‏:‏ إذا قبضته وجذبته‏.‏‏.‏ ويقال‏:‏ سفع بناصية فرسه‏.‏ قال الراغب‏:‏ السفع الأخذ بسفعة الفرس، أي‏:‏ بسواد ناصيته، وباعتبار السواد‏:‏ قيل‏:‏ به سفعة غضب اعتباراً بما يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتدّ به الغضب، وقيل للصقر أسفع لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى‏.‏ وقيل‏:‏ هو مأخوذ من سفع النار والشمس‏:‏ إذا غيرت وجهه إلى سواد‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

أثافيّ سفعاً في معرّس مرجل *** وقوله‏:‏ ‏{‏نَاصِيَةٍ‏}‏ بدل من الناصية‏.‏ وإنما أبدل النكرة من المعرفة لوصفها بقوله‏:‏ ‏{‏كاذبة خَاطِئَةٍ‏}‏ وهذا على مذهب الكوفيين فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا شرط وصفها‏.‏ وأما على مذهب البصريين، فيجوز إبدال النكرة من المعرفة، وأنشدوا‏:‏

فلا وأبيك خير منك إني *** ليؤذيني التحمحم والصهيل

قرأ الجمهور بجرّ‏:‏ ‏{‏ناصية كاذبة خاطئة‏}‏ والوجه ما ذكرنا‏.‏ وقرأ الكسائي في رواية عنه برفعها على إضمار مبتدأ، أي‏:‏ هي ناصية، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن عليّ بنصبها على الذمّ‏.‏

قال مقاتل‏:‏ أخبر عنه بأنه فاجر خاطئ، فقال‏:‏ ناصية كاذبة خاطئة، تأويلها‏:‏ صاحبها كاذب خاطئ‏.‏ ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ‏}‏ أي‏:‏ أهل ناديه‏.‏ والنادي‏:‏ المجلس الذي يجلس فيه القوم، ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة‏.‏ والمعنى‏:‏ ليدع عشيرته وأهله ليعينوه وينصروه، ومنه قول الشاعر‏:‏

واستبّ بعدك يا كليب المجلس *** أي‏:‏ أهله‏.‏ قيل‏:‏ إن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتهدّدني وأنا أكثر الوادي نادياً‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ أي‏:‏ الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج‏.‏ قال الكسائي، والأخفش وعيسى بن عمر‏:‏ واحدهم زابن‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ زبنية‏.‏ وقيل‏:‏ زباني‏.‏ وقيل‏:‏ هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه كعباديد وأبابيل‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هم الشرط في كلام العرب، وأصل الزبن الدفع، ومنه قول الشاعر‏:‏

ومستعجب مما يرى من أناتنا *** ولو زبنته الحرب لم يترمرم

والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتدّ بطشه، ومنه قول الشاعر‏:‏

مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى *** زبانية غلب عظام حلومها

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏سندع‏}‏ بالنون، ولم ترسم الواو، كما في قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَدْعُو الداع‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 6‏]‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ ‏(‏سيدعى‏)‏ على البناء للمفعول، ورفع الزبانية على النيابة‏.‏ ثم كرّر الردع والزجر فقال‏:‏ ‏{‏كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ‏}‏ أي‏:‏ لا تطعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة‏:‏ ‏{‏واسجد‏}‏ أي‏:‏ صلّ لله غير مكترث به، ولا مبال بنهيه‏:‏ ‏{‏واقترب‏}‏ أي‏:‏ تقرّب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ واسجد أنت يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل من النار‏.‏ والأوّل أولى‏.‏ والسجود هذا الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل سجود التلاوة، ويدلّ على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من السجود عند تلاوة هذه الآية، كما سيأتي إن شاء الله‏.‏

وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن شداد قال‏:‏ «أتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد اقرأ‏.‏ فقال‏:‏ وما أقرأ‏؟‏ فضمه ثم قال‏:‏ يا محمد اقرأ، قال‏:‏ وما أقرأ‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ‏}‏ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏»‏.‏ وفي الصحيحين‏:‏ وغيرهما من حديث عائشة فجاءه الملك، فقال‏:‏ اقرأ، فقال‏:‏ ‏"‏ قلت ما أنا بقارئ، ‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني ‏"‏ فقال‏:‏ اقرأ، فقلت‏:‏ ‏"‏ ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني ‏"‏ فقال‏:‏ اقرأ، فقلت‏:‏ ‏"‏ ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد ‏"‏ فقال‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم * الذى عَلَّمَ بالقلم‏}‏ الآية‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأنّ عنقه، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ لو فعل لأخذته الملائكة عياناً ‏"‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عنه قال‏:‏ «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال‏:‏ ألم أنهك عن هذا‏؟‏ إنك لتعلم أن ما بها رجل أكثر نادياً مني‏.‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي، فقيل‏:‏ ما يمنعك‏؟‏ فقال‏:‏ قد اسودّ ما بيني وبينه»‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ والله لو تحرّك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه‏.‏

وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ واللات والعزّى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنّ على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأنّ على رقبته، قال‏:‏ فما فجأهم منه إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له مالك‏؟‏ فقال‏:‏ إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً ‏"‏ قال‏:‏ وأنزل الله‏:‏ ‏{‏كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّءاهُ استغنى‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏ يعني أبا جهل ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ‏}‏ يعني قومه‏.‏ ‏{‏سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ يعني الملائكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عبداً إِذَا صلى‏}‏ قال‏:‏ أبو جهل بن هشام حين رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلى على ظهره وهو ساجد لله عزّ وجلّ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه في قوله‏:‏ ‏{‏لَنَسْفَعاً‏}‏ قال‏:‏ لنأخذن‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ‏}‏ قال‏:‏ ناصره‏.‏ وقد قدّمنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسجد في‏:‏ ‏{‏إِذَا السماء انشقت‏}‏ ‏[‏الإِنشقاق‏:‏ 1‏]‏ وفي‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ‏}‏‏.‏